ألطريق الى الوحشية
جلب الربع الاخير من القرن العشرين تغييرات كبيرة الى
العالم. فالصراعات بين
الشيوعية والرأسمالية والتي لعبت الدور الاهم في معظم احداث القرن, قد تلاشت من
الميدان الى حد بعيد. فالشيوعية التي فرضت نفسها كواقع اقتصادي – سياسي حقيقي منذ
عام 1917, والتي حكمت في عام 1950 ثلث سكان العالم, قد اضمحلت عالميا بسبب الافتقار
الى الديمقراطية والتصلب والمركزية والفساد. أما الرأسمالية, والتي كانت تتراجع
بشكل متواصل في منتصف القرن, وبعد حربين عالميتين, قد عالجت نفسها بحيوية ملحوظة
في الربع الاخير من القرن. وطغت العالم ما سمي الليبريالية الجديدة
(النيوليبرالية), الايمان الجديد الذي باركته الرأسمالية وحرية السوق.
لقد جلبت السيطرة الجديدة للراسمالية على العالم كقاعدة
اقتصادية للمجتمع معها تناقضات جديدة وزادت من حدة التناقضات القديمة. أننا نعيش
اليوم وفي بداية القرن الحادي والعشرين نتائج هذه التطورات في هولندا واوربا والعالم.
حسب النظرية النيوليبرالية, فانه يجب ترك حرية السوق تقرر
الحياة الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي قدر الامكان. ولتمكين حرية السوق من لعب
دورها بافضل شكل, فانه يتوجب الغاء القوانين المعرقلة لها (والتي وضعت يوما ما
من اجل حماية الانسان والبيئة والمجتمع) وتقليل الضرائب. وعلى الدولة ان تكتفي
بالمسؤليات المركزية مثل حفظ النظام والعدل والجيش. من الولايات المتحدة وبريطانيا
انتشرت النيوليبرالية في كل العالم مثل بقعة الزيت. وهكذا سيطرت هذه النظرة الى
المجتمع في هولندا ايضا.
حصلت بلادنا لاول مرة منذ السبعينات على رئيس حكومة اشتراكي
ديمقراطي في عام 1994. لكن طموحات ويم كوك لم تكن تشبه في شئ طموحات يوب دن ايل.
وبقيت الليبرالية والتخصيص وعمل السوق عبارات سحرية في هولندا. بل على العكس, فان
الخطوات الحذرة لحكومتي المسيحي الديمقراطي لبرز (اولا مع VVD
ثم مع حزب العمل PvdA) قد مضت بحسم
واندفاع في حكومتي الائتلاف بين حزب العمل وال VVD وD66 . لقد تم تحطيم وخصخصة نظام الضمان الاجتماعي بوتيرة متسارعة.
لقد تم او يتم حاليا خصخصة المؤسسات الحكومية السابقة مثل السكك الحديدية والنقل
المحلي (Streekvervoer) والبريد والطاقة. وتتم حاليا في جميع القطاعات الاجتماعية
من النظام الصحي الى المسرح ومن التعليم الى الشرطة, المطالبة بتغيير تركيبتها
لتحقيق ارباح و تتوجه بعملها لصالح حملة اسهمها.
لقد اصبحت الاسئلة مثل "بكم بعت؟" و "ماذا
يقول السوق؟" اهم من "ما تأثير ذلك على نمو المجتمع والفرد؟". فلصالح
الوضع التنافسي الدولي لبلادنا يتم تخفيض الاجور لمنخفضي ومتوسطي الدخل باستمرار
ولسنوات عديدة. وفي نفس الوقت, وباشارة الى صالح وضع بلادنا التنافسي الدولي, ارتفعت
مدخولات ذوي الدخل الاعلى بشكل هائل. ففي العشرة سنين الاخيرة من القرن العشرين
تضاعف عدد اصحاب الملايين في هولندا اربعة مرات ليبلغ 200 الف في عام 1999. وفي
الوقت الذي تصاعدت فيه ارباح الشركات, تم خفض الضرائب التي تدفعها بشكل ملحوظ,
ولم يسبق ان توجه الى البورصة, ذلك الطفل المدلل للنيوليبرالية, كم من المال كما
هو الان.
اذا نظرنا الى العالم ككل, فاننا نجد بان التغييرات التي
احدثتها النيوليبرالية اكثر اثارة للجدل. فمن خلال منظمة التجارة العالمية تم تحرير
التجارة في العالم بشكل لم يسبق له مثيل. فلم يعد عمليا بامكان الدول حماية سوقها
من المنتجات غير المرغوب بها (كان تكون غير وافية للشروط الاجتماعية او البيئية
للبلد المعني). فالمستثمرين الدوليين يحققون الارباح من رفع الحواجز عن نقل الاموال.
وبفضل الحاسبة وتكنولوجيا الاتصالات تتمكن كميات هائلة من المال من الطيران عبر
العالم, باحثة باستمرار عن الربحية القصوى . لقد كان هذا احد اسباب الازمات الاقتصادية
التي حلت في العديد من البلدان مثل المكسيك و جنوب شرق اسيا واميركا الجنوبية.
ورغم ان تلك الازمات لم تسبب تاثيرا كبيرا على مستوى العالم, الا انها تسببت في
ضرر بالغ على الصعيد المحلي لتلك البلدان في شكل انخفاض الاجور والبطالة والمزيد
من الخفض للاموال المخصصة للمنافع العامة.
يتم في هولندا تحطيم دولة الرعاية الاجتماعية كما بنيت
بعد الحرب العالمية الثانية شيئا فشئ. فيتعاظم فرق الدخل ويتم قص اجنحة المنافع
العامة مثل نظام الضمان الاجتماعي والاسكان الشعبي والتعليم والنقل العام والرعاية
الصحية. ففي مثال البولدر هذا (حيث يتعاون اصحاب الشركات والنقابات والحكومة على
ازالة الخلافات) ارتفعت مدخولات مجاميع كبيرة من الناس, ولكنه بنفس الوقت وفر الامكانية
لتفكيك سدود الحماية الاجتماعية وبالتالي لعودة الفقر بشكل مباشر في نهاية القرن
العشرين. فلقد ادى التحرير المتسارع والعميق للاقتصاد والانفتاح الكامل لراس المال
الاجنبي ونقل النشاطات التي كانت من حصة الحكومة الى السوق, ادى الى تفريغ الديمقراطية
من محتواها وتقليص دورها, وتعظيم سلطة اصحاب الشركات. هكذا تم تحويل دولة الرعاية
الاجتماعية الى دولة ليبريالية فارغة المعنى. لقد فقدت الحكومة الشرعية المنتخبة
من الشعب بالتدريج قدرتها على فرض رايها واصبح السوق, القوة اللاديمقراطية والتي
لايمكن السيطرة عليها او محاسبتها من قبل المجتمع, القوة المهيمنة. كذلك يفرغ المجتمع
ويزداد فقرا على الصعيد الثقافي. فالعامل التجاري يزيح الذوق الرفيع وتسبب النظرة
الاحادية الى الربحية الفردية الضرر الشديد لقيم وتقاليد مهمة في المجتمع الهولندي.
فرغم ان عدد الهولنديين الان اكبر من أي وقت مضى, يعيش المزيد منهم معزولين في
وحدة وغربة. أن الناس غير القادرين على الانتاج (بشكل كاف), لاي سبب من الاسباب,
قد تضرروا بشكل واضح من تحول مجتمعنا الى الفردية والاخذ بالقيم الامريكية.
وكما هو الحال في هولندا, تعاني اوربا من تناقضات متزايدة.
فالجانب الغربي يعتبر اكبر سوق حر موحد في العالم حيث تتجمع ثروة ضخمة, وبنفس الوقت
يزداد فيه الانقسام الاجتماعي. أما الجانب الشرقي فيقع ضحية التمزق الاجتماعي واختفاء
العدالة والفقر المتنامي لاجزاء كبيرة من المجتمع في الوقت الذي تغتني فيه اقلية
صغيرة بشكل فاحش. كذلك نلاحظ ان الديمقراطية التي تم بناءها منذ بداية القرن العشرين
في دول الاتحاد الاوربي الحالي, في تراجع مستمر. ان اجزاء كبيرة من استقلالية الدولة
وقدرتها على تقرير مصيرها ينتقل الى مؤسسات ادارية غير ديمقراطية تخضع لمصالح الدول
الكبرى والقوى الاقتصادية. أن البرلمان الاوربي عاجز عن سد الثغرة التي تكونت من
ابعاد البرلمانات الوطنية عن مركز القرار. ان لدى مجلس الوزراء اجندة محددة مقررة
ليس فيها مجال للمداولة او الرقابة الديمقراطية.
تتزايد الفجوة بين الغني والفقير في كل العالم. فيتم الان
الغاء اجزاء كبيرة منه فعليا, من ضمنها كل القارة الافريقية. فحسب احصاءات الامم
المتحدة يعيش اكثر من مليار انسان من الستة مليارات الذين يقطنون العالم في حالة
فقر مدقع ويعاني اثنان من كل خمسة اطفال من سوء التغذية. أن الفوارق بين الغني
والفقير, بين الفيض والشحة, بين السلطة والاستسلام, هي اليوم اكثر من أي وقت مضى.
هذه الفوارق هي السبب الرئيس في الحروب والحروب الاهلية وسيول اللاجئين في العالم.
يبدو ان السوق الحر يحقق نجاحا على المدى القصير, لكن عجزه
يظهر جليا عندما يتعلق الامر بالمدى البعيد. أن الحرية التامة تقريبا للشركات الرأسمالية
ادت الى ان يقضي الملايين من الناس حياتهم غير احرارا عن طريق السلب والاضطهاد
وسوء التغذية والتخلف. أن القرارات بشأن الاسئلة الاخلاقية المهمة اليوم, والمتعلقة
بالمستوى النوعي للحياة, واحترام حياة الحيوان والمنتوجات المعدلة وراثيا, كامثلة
من الكثير, - هذه القرارات – تتواجد تحت اليد غير المناسبة للسوق. ذلك ان السوق
لا يعرف الاخلاق. ينطبق الامر ذاته على مشاكل مثل تدمير الطبيعة وتلويث البيئة
والاستهلاك الاتلافي وتبديد الموارد الطبيعية. كل هذه الامور تتطلب ميزانا اكثر
حساسية من ميزان الربح المجرد, الذي لا يملك السوق غيره. أن التعامل الفعال مع
هذه المشاكل الهامة يتطلب توجها اوسع تكون فيه مصلحة البشرية عموما هي المقياس
الحاسم.
أن النمو الاقتصادي المستمر لسنوات التسعينات من القرن
العشرين اعطى دعاة النيوليبرالية شعورا بالسيطرة والثقة التامة بالنفس. لقد انتشر
الايمان بان السوق الحر يقدم العالم الافضل في كل مكان, وتسلل كذلك الى التفكير
السياسي حتى للاحزاب الاشتراكية الديمقراطية فتقبلوا فكرة النظام الرأسمالي الحالي
باعتباره الامكانية الوحيدة, ولذا حاولت هذه الاحزاب ربط الاشتراكية بشكل ما بالليبرالية.
لقد وضعت هذه الاحزاب هذه الافكار في ما اسمته "الطريق الثالث" و حولت
نفسها الى احزاب "اشتراكية – ليبرالية" او "اجتماعية – ليبرالية"
ونادت بان السوق الحر, بشرط ان يكون تحت اشرافهم, قادر ان يعطي المجتمع قاعدة اجتماعية
(اشتراكية) معقولة. لكن هل هذا الادعاء صائب؟ هل لم يعد بالامكان توجيه نقد اساسي
للرأسمالية؟ هل هذا العالم هو الوحيد الممكن, وعلينا ان نرضى بعلله برحابة صدر؟
نحن لا نعتقد بذلك! يشاركنا الرأي عدد متزايد من الناس
الذين لا يشعرون بالسعادة في العالم الذي يقدمه لنا السوق الحر. من ينظر بعين ناقدة
الى المجتمع في هولندا واوربا والعالم يرى ان الرأسمالية التي لا تعرف الحدود ولا
القيم لا ولن تكون قادرة على توفير الرفاه للجميع. من يرهف السمع يحس بان الحلول
الرأسمالية لمشاكل العالم المهمة عاجزة على جميع الجبهات وتغفل الترابط المنطقي
للامور. لذلك بالضبط فانه من المفيد والضروري التفكير في بديل عملي لهذه الرأسمالية
الوحشية التي لا تعرف حدودا او قيما. المزيد من التجارة, الاقل من الثقافة, المزيد
من قوة التناقضات والفوارق في المجتمع, الاقل من التألف الاجتماعي: يمكننا ان نستمر
هكذا, ولكننا لسنا مجبرين على ذلك. فمن المعلوم ان المستقبل هو نتيجة اختياراتنا
السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فليس لنا من اجل التغيير ان ننتظر مصيرنا بسلبية,
فليس الانسان فقط نتاج للتاريخ, بل هو ايضا صانع للتاريخ. نحن من سيصنع مستقبلنا!
* البولدر هي الارض المجففة من البحر بواسطة حصرها بمجموعة
من السدود, وغالبا ما تبقى هذه الارض تحت مستوى سطح البحر وتكون بحاجة الى نزح
مستمر للماء المتسرب من البحر.لهذا فان مثل هذه الارض تحتاج عمل وتعاون مستمر من
اصحابها. لقد اتخذت الحكومتين الهولنديتين البولدر رمزا للتعاون بدلا من التناحر
بين الشركات والنقابات والحكومة, وسمي النظام مثال البولدر (المترجم)
Teken ook het manifest
‘1 voor allen’